محمد بن جرير الطبري
3
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
محمدا صلّى اللّه عليه وسلم من الدرجات بالعليا ومن المراتب بالعظمى فحباه من أقسام كرامته بالقسم الأفضل وخصه من درجات النبوّة بالحظ الأجزل ومن الأتباع والأصحاب بالنصيب الأوفر وابتعثه بالدعوة التامة والرسالة العامة وحاطه وحيدا وعصمه فريدا من كل جبار عاند وكل شيطان ما رد حتى أظهر به الدين وأوضح به السبيل وأنهج به معالم الحق ومحق به منار الشرك وزهق به الباطل واضمحل به الضلال وخدع الشيطان وعبادة الأصنام والأوثان مؤيدا بدلالة على الأيام باقيه وعلى الدهور والأزمان ثابته وعلى ممر الشهور والسنين دائمه يزداد ضياؤها على كرّ الدهور إشراقا وعلى مر الليالي والأيام ائتلاقا تخصيصا من اللّه له بها دون سائر رسله الذين قهرتهم الجبابرة واستذلتهم الأمم الفاجرة فتعفت بعدهم منهم الآثار وأخملت ذكرهم الليالي والأيام ودون من كان منهم مرسلا إلى أمة دون أمه وخاصة دون عامه وجماعة دون كافة فالحمد للّه الذي كرمنا بتصديقه وشرفنا باتباعه وجعلنا من أهل الإقرار والايمان به وبما دعا اليه وجاء به صلى اللّه عليه وعلى آله وسلم أزكى صلواته وأفضل سلامه وأتم تحياته ( أمّا بعد ) فان من جسيم ما خص اللّه به أمة نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم من الفضيلة وشرفهم به على سائر الأمم من المنازل الرفيعة وحباهم به من الكرامة السنية حفظه ما حفظ جل ذكره وتقدست أسماؤه عليهم من وحيه وتنزيله الذي جعله على حقيقة نبوة نبيهم صلى اللّه عليه وسلم دلاله وعلى ما خصه به من الكرامة علامة واضحة وحجة بالغه أبانه به من كل كاذب ومفتر وفصل به بينهم وبين كل جاحد وملحد وفرق به بينهم وبين كل كافر ومشرك الذي لو اجتمع جميع من بين أقطارها من جنها وأنسها وصغيرها وكبيرها على أن يأتوا بسورة من مثله لم يأتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا فجعله لهم في دجى الظلم نورا ساطعا وفي سدف الشبه شهابا لامعا وفي مضلة المسالك دليلا هاديا وإلى سبل النجاة والحق حاديا يهدى به اللّه من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور باذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم حرسه بعين منه لا تنام وحاطه بركن منه لا يضام لا تهى على الأيام دعائمه ولا تبيد على طول الأزمان معالمه ولا يجور عن قصد المحجة تابعه ولا يضل عن سبل الهدى مصاحبه من اتبعه فاز وهدى ومن حاد عنه ضلّ وغوى فهو موئلهم الذي اليه عند الاختلاف يئلون ومعقلهم الذي اليه في النوازل يعتقلون وحصنهم الذي به من وساوس الشيطان يتحصنون وحكمة ربهم التي إليها يحتكمون وفصل قضائه بينهم الذي اليه ينتهون وعن الرضا به يصدرون وحبله الذي بالتمسك به من الهلكة يعتصمون اللهم فوفقنا لإصابة صواب القول في محكمه ومتشابهه وحلاله وحرامه وعامه وخاصه ومجمله ومفسره وناسخه ومنسوخه وظاهره وباطنه وتأويل آية وتفسير مشكله وألهمنا التمسك به والاعتصام بمحكمه والثبات على التسليم لمتشابهه وأوزعنا الشكر على ما أنعمت به علينا من حفظه والعلم بحدوده انك سميع الدعاء قريب الإجابة وصلى اللّه على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما كثيرا ( اعلموا ) عباد اللّه رحمكم اللّه أن أحق ما صرفت إلى علمه العناية وبلغت في معرفته الغاية ما كان للّه في العلم به رضا وللعالم به إلى سبيل الرشاد هدى وانّ أجمع ذلك لباغيه كتاب اللّه الذي لا ريب فيه وتنزيله الذي لا مرية فيه الفائز بجزيل الذخر وسنى الاجر تاليه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ونحن في شرح تأويله وبيان ما فيه من معانيه منشؤن ان شاء اللّه ذلك كتابا مستوعبا لكل ما بالناس اليه الحاجة من علمه جامعا ومن سائر الكتب غيره في ذلك كافيا ومخبرون في كل ذلك بما انتهى